ادّعاء العجز يزيد الأمور سوءاً

محمود الريماوي

تتردّد في سائر البيانات الرسمية العربية، حين يتعلّق الأمر بحرب الإبادة على قطاع غزّة، دعوة “المجتمع الدولي لممارسة مسؤولياته” لوقف هذه الحرب، وقد واظبت القمم العربية والإسلامية، منذ أواخر عام 2023، على إطلاق هذه الدعوة، التي تتكرّر في تصريحاتٍ ومواقفَ سياسيةٍ معلنةٍ، وبغير انقطاع. وبما أن “المجتمع الدولي” ليس له مركز محدّد أو عنوان بعينه، وليس هناك من دولة أو تكتلّ أو مجموعة تدّعي تمثيلها الحصري هذا “المجتمع”، فإن أحداً في العالم لا يعتبر أن الدعوة إلى وقف الحرب تتعلّق به، أو أنه مُطالَب بالردّ على هذه الدعوة والتفاعل معها أو حتى التعليق عليها، بما في ذلك المنظّمة الدولية الكبرى (الأمم المتحدة)، التي لم ينقطع المسؤولون فيها عن إدانة هذه الحرب التي لم يبقَ قانون دولي أو إنساني إلا وانتُهك فيها، غير أن الأمم المتحدة هي مجرّد منظّمة كبيرة تسيّرها الدول، من دون أن تتمتّع هذه المنظّمة بسلطة التحرّك الذاتي لوقف النزاعات. وقد تجاوز الاحتلال الإسرائيلي وجود قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل، منذ 2006) ومارَس (وما زال يمارس) تعدّياته، متحدّياً وجود هذه القوات الدولية، التي تتبع نحو 50 دولة، منها دول كبرى، مثل بريطانيا والصين وفرنسا.

وبهذا، تبقى الدعوات إلى “المجتمع الدولي” أشبه بصرخةٍ في العراء، قد يتردّد لها صدى عابرٌ أو لا يتردّد لها أيُّ صدى. ورغم ذلك، لا تنقطع المواقف الرسمية العربية، وأحياناً مواقف هيئات ومؤسّسات غير حكومية، عن التوجّه إلى المجتمع الدولي، داعيةً إلى وضع حدّ لهذه الحرب، والكفّ عن اقتراف الفظائع ضدّ المدنيين، وما تبقّى من مرافق مدنية وبنية تحتية. وبينما تشتدّ مخاطر التوحّش الإسرائيلي على مئات آلاف من المدنيين، ولا يكتم الاحتلال مخطّطاته في تقطيع أوصال القطاع، والإمعان في حرب التجويع واستهداف الأطفال والمُسعِفين والمراسلين ومراكز الأمم المتحدة، فإن البيانات الرسمية العربية لا تني تخاطب المجتمع الدولي، وترى فيه مصدرَ التأثير الوحيد القادر على إيقاف الحرب. وعلى هذا النحو من التكرار الرتيب، تتواصل الحربُ مُتحدّيةً كلّ توقّع مُخالف أو أيَّ ردّة فعل مأمول.

وفي واقع الحال، ينطوي التركيز في مخاطبة المجتمع الدولي، ودعوته إلى التحرّك لإيقاف هذه المحنة، على رسالة ضمنية، بأن الأطراف العربية المعنية عاجزة عن التحرّك، وأن الضغط لوقف هذه الحرب أمر فوق طاقتها، بل هناك من قد يتطوّع للقول إن أيَّ تحرّكٍ عربيٍّ قد يزيد من حدّة الوضع، وينعكس سلباً على المنطقة. وعليه، تقتضي دواعي الحكمة “عدم المجازفة وتفادي التورّط”، وترك الأمر برمّته للجهود السياسية الدولية، رغم شُحّ هذه الجهود وتقطّعها، ورغم مواظبة الاحتلال على تحدّي هذه الجهود أو الالتفاف عليها، كما حدث مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي ضغطت إدارة دونالد ترامب للتوصّل إليه، وقبل أن تباشر مهامّها رسمياً، لكن حكومة نتنياهو ما لبثت أن انقلبت على الاتفاق عبر تفاهمات سرّية مع أركان إدارة ترامب. والشاهد أن الدول الكبيرة في عالمنا، دول مجلس الأمن، تجد في سكون العالم العربي غطاءً للاستنكاف عن بذل أيّ جهد جدّي لوقف الحرب، فما دامت الأطراف المعنيّة في المنطقة ليست معنيةً بصورة ملموسة بوقف الحرب فذلك يمنح الأطراف الدولية مسوّغاً لترك الأمور تنجرف إلى الهاوية. وأسوأ من ذلك، لم تتوقف دولٌ أوروبية عن تزويد تل أبيب بالسلاح خلال الحرب، وقد انتقلت من ذلك إلى مطاردة كلّ من يناصر العدالة في فلسطين.

كان بإمكان الأطراف العربية أن تتّخذ إجراءات لتخفيض مستوى علاقاتها مع تل أبيب، كما فعلت تركيا مثلاً، حين أوقفت أشكال التبادل التجاري كلّها معها، وحين أوقفت استخدام مجالها الجوي أمام رحلاتٍ لمسؤولين إسرائيليين، ولم يترتّب على ذلك أن تعرّضت أنقرة لضغوط خارجية، كما سبق لدول عربية أن قطعت علاقاتها مع إيران أو خفّضت مستوى العلاقات مع طهران، فلماذا لا يقع مثل ذلك ضدّ تل أبيب؟… وهذا مثالٌ على أن جملة إجراءات في الوسع اتخاذها من أجل الضغط على تل أبيب، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدُث. والغريب أنه في حروب سابقة شنّها الاحتلال على قطاع غزّة ولبنان، كانت ردّة الفعل العربي الرسمي أقوى، رغم أن الحرب الحالية أشدّ وحشية من سابقاتها، وتقترن بشنّ اعتداءات متكرّرة على الضفة الغربية المحتلة، التي لا يوجد فيها أسير إسرائيلي واحد، وعلى بلدَين عربيَّين آخرَين هما سورية ولبنان. وها هي تل أبيب ترسل إشارات علنية بالاحتجاج على الوجود العسكري المصري في سيناء المصرية، وتطلب تخفيض التجهيزات هناك، بينما تعطي تل أبيب نفسها حقّ التمركز عند الحدود المباشرة مع مصر في محور صلاح الدين (فيلادلفي).

استعادت أذربيجان، في سبتمبر/ أيلول 2023، إقليم ناغورنو كاراباخ، الذي كانت تسيطر عليه أرمينيا، ولم تنتظر المجتمع الدولي كي يعيد إليها إقليمها المسلوب. ليس مطلوباً شنّ حربٍ على الاحتلال الإسرائيلي أو خوض مواجهة عسكرية معه، بل ممارسة حقوق السيادة العربية بإعادة النظر في مستوى العلاقات مع تل أبيب، وتوجيه رسالة مفادها بأن عدم إيقاف الحرب ينعكس سلباً على العلاقات، ولن يقتصر على توقّف تبادل الزيارات الرسمية. وسبق لدولٍ أفريقية أن أخرجت قوات فرنسية مرابطة من أراضيها على مدى العامَين الماضيين، ولم تتوجّه إلى المجتمع الدولي لحمْل القوات الفرنسية على المغادرة.

وهكذا، أدّى الامتناع عن اتخاذ أيّ إجراءات ضدّ دولة الاحتلال إلى تجاهل المجتمع الدولي الدعوات العربية كلّها إلى التدخّل السياسي والدبلوماسي لوقف الحرب. وفي هذه الأجواء من الشلل السياسي، تتواصل أسوأ الحروب وأشدّها وحشية، ومعها استباحة دول عربية، وإذا استمرّ الحال على هذا المنوال فإن القادم أعظم.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى