حروبُ المرأة

آدم فتحي
ليس من حقٍّ مضمونٍ لأيٍّ كان، مَا لم يُقاوم من أجله، وما لم يُدافع عنه باستمرار. ذاك ما تعلّمَهُ كاتبُ هذه السطور من عِبَرِ الأيّام وصُوَرِها الحقيقيّة والمتخيّلة. من ذلك صورةُ عامِلات الخياطة اللواتي اجتحن شوارع نيويورك، في 8 مارس/ آذار 1857، مطالباتٍ بأمور بسيطة، ما انفكّت تُشكّل جانباً من حروب المرأة: التخفيض في ساعات الشغل. ظروفٌ صحيّة لمكان العمل. أجورٌ مساوية لأجور الرجال. إلّا أنّ الشرطة تدخّلت لتفريق المظاهرة بما هو منتظَرٌ من العنف عند وصولها إلى الأحياء الراقية.
سرديّةٌ جعلت كاتب هذه السطور يقف كلّ عام عند هذا اليوم، منذ قرابة الأربعة عقود، وفاءً لنساءٍ في حياته، لا يعثر غالباً على الكلمات للتعبير عمّا يدين به لهنّ، وتأمُّلاً في المسافة التي قطعتها المرأةُ في اتّجاه أحلامها، ما تحقّق منها وما غُدِر أو أُجهض. ولعلّه لا يُنكِر مُنجَزاً لا بأس به هنا أو هناك. لكنّ الواقع يظلّ بعيداً عن النظريّات والشعارات والاحتفاليّات، كي لا نتحدّث عن النيات الملتوية والوعود الخاوية.
أُفرِغَ هذا اليومُ من معناه في جُلّ البلدان. أصبح مناسبةً كي يقف زعماء العالم، الذكور في الأغلب، بيدٍ على القلب والأخرى على الميكروفون، فيّاضين بالخطب الطنّانة، محتفلين بالمرأة الرائعة ومساهماتها البطوليّة في الحقل الفلانيّ والمجال العلاّنيّ، مهنّئين أنفسهم بتفانيهم في إكبارها وتكريمها وحبّها والفناء في “دباديبها”، معربين عن استعدادهم لمنحها المزيد من الحقوق المستحقّة “عن جدارة وليس منّةً من أحد”!، ثمّ صورةٌ من هنا وباقة زهور من هناك، و”عُودي يا حليمة إلى حروبك القديمة”.
للرجل العربيّ حروبه طبعاً. وأغلبُها مُشتَرَكٌ مع المرأة في سياقاتهما السياسيّة والاجتماعية والثقافيّة، التي لا يحسدان على هزائمهما فيها، في أغلب الأحوال. إلّا أنّ من الضروريّ الإقرار بأنّ حروب المرأة العربيّة أشرس وأوسع جبهات. إنّها تخوض يوميّاً حروباً لا تخمد ضدّ التنمّر، والعنف الماديّ والرمزيّ، والإجحاف الاجتماعيّ، والتمييز السلبيّ في كلّ ما يتعلّق باستحقاقات المسؤوليّة والمواقع القياديّة. كأنّها الوحيدةُ المطالَبةُ بالتوفيق بين العمل والأسرة، بين الشارع والبيت، بين الحياة اليوميّة الجماعيّة والصراع الوجودي الذي تخوضه من أجل تحقيق ذاتها في عالم ذكوريّ.
والحقّ أنّ وضع المرأة في العالم ليس بعيداً عن وضعها في جلّ البلاد العربيّة، لولا انفراد هذه الأخيرة بنظامها الرسميّ الذي لا تُحسد عليه. لقد سبقت المرأة العربيّة أحياناً نظيرتها في الغرب إلى تحقيق مكاسبَ شديدة الأهميّة، مثل الحق في الاقتراع، الذي حصلت عليه المرأة السويسريّة في 1971، بعدَ سنوات طويلة من نظيرتها اللبنانيّة (1952)، والسوريّة (1953)، والمصريّة (1956)، والتونسيّة (1957)، إلى آخر القائمة. وما زالت المرأة في أوروبا وفي الولايات المتّحدة تطالب بحقّها في المساواة مع الرجل في حال التمتّع بالمؤهّلات العلميّة نفسها.
أيًّا كان الأمر، يؤكّد باحثون عديدون أنّ حقوق المرأة معرّضة لانتكاسات عديدة في سياق النظام العالميّ “الجديد”، من جرّاء تغوّل اليمين المتطرّف، وترنّح الديمقراطيّات، وتصاعد الشعبويّة، خصوصاً مع العهدة الثانية لدونالد ترامب المتّهم بالتحرّش الجنسي، والذي لم يتورّع في عام الانتخابات، عن الإدلاء بتصريحاتٍ متحيّزة ضد النساء، متعهّداً بـحمايتهنّ، “أحببن أو كرهن”. ومع ذلك، منحه حوالى 44% من النساء أصواتهنّ للفوز بعهدة ثانية. وها هي المرأةُ اليوم فريسة عالم مختلّ، لا يهدف إلى تحريرها، بل إلى إقناعها بأنّ حريّتها آثِمة، وأنّ نجاحها خارج البيت تهديدٌ للنظام العامّ، مُطَوّباً امرأةَ القفص، المطليّ بالنفاق المذهّب في بعض الأحيان، مشيطِناً المرأة المستقلّة، ذات الشخصيّة القويّة، التي تجرؤ على التفكير والتعبير.
ليس من حقٍّ مضمونٍ لأيّ كان، ما لم يقاوم من أجله، وما لم يُدافع عنه باستمرار. ذاك ما تعلّمه كاتب هذه السطور من النحلات العاملات بالساعد والفكر. وإنّه لَيَراهُنّ كل 8 مارس يجتحن الشوارع، صامدات، في اتّجاه الحروب نفسها. بل لعلّه يراهنّ اليوم، يَرمين جُسوراً بين عاملات الخياطة في نيويورك والنساء اللواتي يرفضن أن يطحنهنّ اليأس. الأمّهات اللواتي يحمين أطفالهن بصدورهنّ. الزوجات اللواتي يتحوّلن إلى أرامل مباشرة على شاشات الأخبار. الفتيات اللواتي يُسرَقن من طفولتهنّ بوحشيّةٍ لا توصف. الفلسطينيّات تحديداً، خائطات الحياة، اللواتي يصنعن من ضلوعهنّ إبراً يخطن بها جسد الأرض الممزّق.